حبيب الله الهاشمي الخوئي

381

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وتشتّتت الأهواء عاد جميعهم إلى الشتات وعزّهم إلى البتات ، فأبدلوا الذّل مكان العزّ ، والخوف مكان الأمن وصار مال أمرهم عبرا للمعتبرين وتذكرة للمتدبّرين وهو قوله : ( فانظروا كيف كانوا ) في مبدء أمرهم بعد الخلاص من استرقاق الفراعنة ( حيث كانت الأملاء ) أي الجماعات والأشراف ( مجتمعة والأهواء مؤتلفة والقلوب معتدلة ) محفوظة من الميل إلى طرف الافراط أو التفريط ( والأيدى مترادفة ) أي مترافدة متعاونة ( والسّيوف متناصرة ) نسبة التناصر إلى السّيوف من باب التوسّع والاسناد إلى السبب ( والبصائر نافذة ) أي ماضية غير متردّدة فإنّ من نفذت بصيرته في أمر لا يبقى له تردّد فيه لعلمه به وتحققه إيّاه ( والعزائم واحدة ) أي الإرادات الجازمة اللازمة على طلب الحقّ متفقة . ( ألم يكونوا أربابا في أقطار الأرضين وملوكا على رقاب العالمين ) الاستفهام للتقرير بما بعد النفي والمقصود التنبيه على أنهم صاروا ملوكا وأربابا بسبب اتّصافهم بشؤون الألفة ، وملازمتهم لمراسم المحبّة فأمر المخاطبين بالنظر في حالهم ليقتفوا آثارهم في الايتلاف والاجتماع ، فينالوا به الفوز العظيم ، ثمّ أمرهم بالنظر إلى مال أمرهم فقال : ( فانظروا إلى ما صاروا إليه في آخر أمورهم ) واحذروا أن تكونوا مثلهم في النفاق والافتراق فتقعوا في مهواة الذّلة ومفازة الهلكة ، فإنهم ( حين وقعت الفرقة وتشتّتت ) أي تفرّقت ( الألفة واختلفت الكلمة والأفئدة وتشعّبوا ) أي صاروا شعوبا وقبائل حال كونهم ( مختلفين وتفرّقوا متحاربين ) وفى بعض النسخ متحزّبين أي اختلفوا أحزابا ( قد خلع اللَّه عنهم ) بسبب التفرّق والاختلاف ( لباس كرامته ) وعزّته ( وسبلهم غضارة نعمته ) أي طيّبها ولذّتها ( وبقى قصص أخبارهم فيكم عبرا للمعتبرين منكم ) ومحصّل ما ذكره عليه السّلام أنّهم خلعوا من لباس الكرامة وسلبوا من غضارة النعمة ، ونزعوا من الملك والسلطنة بسبب افتراق الكلمة واختلاف الآراء وتفرّقهم